عمره 12 ألف عامًا.. اكتشاف عمود على شكل T محفور عليه وجه بشري في تركيا
الكاتب : Maram Nagy

عمره 12 ألف عامًا.. اكتشاف عمود على شكل T محفور عليه وجه بشري في تركيا

نقلة تاريخية تكشف أسرار الإنسان القديم

أعلنت بعثة أثرية عاملة في جنوب شرق تركيا عن اكتشاف أثري يُعتبر من أهم الاكتشافات في السنوات الأخيرة، حيث عُثر على عمود حجري ضخم على شكل حرف T، يعود تاريخه إلى نحو 12 ألف عام، ومزيّن بنقش واضح لوجه بشري. هذا الاكتشاف، الذي وُصف بـ"الفريد من نوعه"، يساهم في إعادة كتابة بعض فصول التاريخ القديم، ويكشف عن تطور الرمزية والتشكيل الفني لدى الإنسان في فجر الحضارات.

العمود المكتشف يقع في موقع أثري بالقرب من منطقة شانلي أورفا، وهي المنطقة التي تضم أيضًا موقع "غوبكلي تبه"، الذي يعود لنفس الحقبة الزمنية تقريبًا، ويُعد من أقدم المعالم المعمارية الدينية المكتشفة حتى الآن.

في هذا التقرير، نغوص في تفاصيل هذا الاكتشاف المذهل، ونستعرض أهم ما يعنيه وجود تمثيل بشري محفور على أحجار تعود لعصر لم يكن فيه الإنسان قد بدأ استخدام الأدوات المعدنية بعد.



تفاصيل الاكتشاف: وجه محفور على "أقدم الأعمدة"

تم العثور على العمود بواسطة فريق من علماء الآثار الأتراك بالتعاون مع خبراء أوروبيين يعملون ضمن مشروع بحثي لدراسة بدايات الاستقرار البشري في منطقة الهلال الخصيب.
يبلغ طول العمود حوالي 3.5 أمتار، وهو منحوت بشكل يشبه الحرف اللاتيني T، وهو شكل يُعتقد أنه كان يرمز إلى آلهة أو رموز دينية لدى الإنسان القديم.

النقطة الفارقة:

للمرة الأولى، يتم اكتشاف عمود من هذه الحقبة يحمل ملامح وجه بشري محفور بدقة، ويُظهر تفاصيل مثل الأنف، العينين، والفم.
يعتقد الخبراء أن هذا التمثيل قد يكون نوعًا من الطقوس الروحية أو تجسيدًا لشخصية مهمة — ربما زعيم قبلي أو كائن أسطوري.


موقع الاكتشاف: قرب "غوبكلي تبه" الأسطوري

يقع الاكتشاف في محيط منطقة "غوبكلي تبه"، التي بُنيت قبل الأهرامات بحوالي 7 آلاف سنة، وتعتبر نقطة تحول كبرى في تاريخ الحضارات، حيث تُعد أول موقع معروف يستخدم الحجر في بناء هياكل دينية ضخمة.

لماذا هذه المنطقة مهمة؟

  • كانت مركزًا لأول التجمعات الزراعية والصيدية في العالم

  • تميزت بظهور بنى معمارية ضخمة رغم كونها في العصور الحجرية

  • يحتمل أن تكون بداية ظهور الرموز البشرية في الفن والتعبير الديني

هذا الاكتشاف الجديد يُعد امتدادًا لجملة أسرار لا تزال تكشفها أرض الأناضول عن ماضي البشرية.


رمزية العمود: من هو الوجه المحفور؟

يرى علماء الأنثروبولوجيا أن وجود وجه محفور على عمود بهذه الضخامة، ولعمر يعود إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد، يشير إلى تطور واضح في القدرة الرمزية للإنسان القديم.

ويقول بعض الخبراء إن الوجه قد يكون:

  • تجسيدًا لروح مقدسة أو إله لدى المجتمعات الأولى

  • رئيس عشيرة أو قائد تمت تخليد صورته ليبقى رمزًا عبر الزمن

  • تجسيدًا لأسطورة شعبية أو بطل بدائي له تأثير على المجتمع


ماذا يضيف هذا الاكتشاف إلى معرفتنا عن البشر الأوائل؟

هذه النقوش التي تجمع بين الرمزية المعمارية والتجسيم البشري للمرة الأولى تُشير إلى:

  • بداية ظهور الفن التصويري المرتبط بالمعتقدات الدينية

  • بدايات نظام اجتماعي يتمحور حول الرموز والأشخاص المؤثرين

  • قدرة الإنسان على الإبداع والتواصل عبر الصور قبل الكتابة

كما تُعيد النقاش حول من الذي بنى حضارة ما قبل الزراعة، وكيف استطاعت مجتمعات ما قبل الاستقرار المدني بناء هياكل بحجم ضخم ودقة هندسية مذهلة.


الأدوات المستخدمة في النحت خلال العصر الحجري

تؤكد الدراسات أن الأدوات التي استخدمها الإنسان لنحت هذا العمود كانت مصنوعة من الحجر الصلب، كالصوان والديوريت، وذلك لعدم وجود معادن آنذاك.
والبديع في الأمر أن دقة التفاصيل تُشير إلى مهارات تقنية متقدمة، وهو ما يدفع لإعادة تقييم قدرات المجتمعات الحجرية.


كيف استقبل العالم هذا الاكتشاف؟

تصدّر الخبر صفحات الصحف والمجلات العلمية العالمية الكبرى، واعتبره الباحثون نقلة نوعية في فهم تطور رمزية الإنسان قبل نشأة الكتابة.
كما أشار العالم الشهير في الأنثروبولوجيا مايكل موران إلى أن:

"العمود ذو الوجه البشري يمثل مرحلة انتقالية مهمة بين الرمزية البدائية والفن الحضاري، وسيحتاج سنوات من البحث لفهم أبعاده الحقيقية".


المقارنات التاريخية: هل له شبيه في المواقع الأثرية؟

حتى اللحظة، لم يظهر في أي موقع أثري آخر عمود رمزي محفور على شكل T ويحمل وجهًا بشريًا كامل الملامح يعود إلى نفس الحقبة.
وهو ما يجعل هذا العمود الأقدم من نوعه في تاريخ الفن الصخري عالميًا، حيث سبقت تواريخ مثل:

  • نقوش الكهوف في فرنسا (30 ألف سنة، لكنها تصويرية وليست معمارية)

  • تماثيل "آين غازي" في الشرق الأوسط (9 آلاف سنة)، لكنها منفصلة وليست جزءًا من عمود


علاقة العمود بالطقوس الدينية القديمة

يشير بعض المتخصصين إلى أن العمود ربما كان جزءًا من طقس جماعي تُقام حوله حلقات من الرقص أو التعاويذ، لطلب الحماية أو طلب النصر قبل المعارك.

كما فسر بعض علماء الدين المقارن أن الوجه قد يكون تجسيدًا للإله الحارس، أو رمزًا لأسطورة التكوين لدى المجتمعات الأولى.


أثره الثقافي على هوية الأناضول

منطقة الأناضول معروفة بأنها بوتقة حضارات: الحيثيون، الفريجيون، السومريون، الفراعنة، واليونان.
هذا الاكتشاف يعزز من مكانتها كبوابة لتطور المجتمع البشري من "الصيد والتجوال" إلى "الثقافة والتنظيم الاجتماعي".


ما الخطوات القادمة؟

أعلنت وزارة الثقافة التركية أن العمود سيتم حفظه مؤقتًا في مختبر خاص، لدراسته وتحليله معمليًا عبر:

  • تقنية الكربون المشع لتحديد العمر بدقة

  • تحليل الحجر لمعرفة مصدره الجيولوجي

  • مقارنة النقش بأساليب فنية مشابهة في التاريخ القديم

ثم سيتم نقله لاحقًا إلى متحف في مدينة أورفا، ليكون جزءًا من معرض مخصص لتاريخ الإنسان قبل الزراعة.


وجه من الماضي يروي قصة البدايات

يبقى هذا العمود على شكل حرف T، المحفور عليه وجه إنساني منذ 12 ألف سنة، واحدًا من أهم القطع الأثرية التي تجسد إرث البشر الأول، وتعيد طرح أسئلة كبرى حول نشأة الرموز والمعاني، ومتى بدأ الإنسان في إدراك ذاته ومعنى "الخلود".

ذلك الوجه القديم، المنحوت بصمت على حجر الزمن، ينظر إلينا اليوم كأنه يسأل:

هل كنا نعرف من نكون قبل أن نكتب التاريخ؟

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول