هل يسري قانون الإيجار القديم على عمارات الأوقاف؟
هل يسري قانون الإيجار القديم على عمارات الأوقاف؟.. متحدث الوزارة يكشف
أثار ملف الإيجارات القديمة، ولا سيما المرتبطة بالعقارات التابعة لوزارة الأوقاف، الكثير من التساؤلات خلال الفترة الأخيرة، وذلك في ظل التوجه الحكومي لتعديل العلاقة الإيجارية القديمة بين المالك والمستأجر. وفي هذا السياق، تساءل الكثيرون حول ما إذا كانت عمارات الأوقاف تخضع فعليًا لقانون الإيجار القديم، أم أن لها نظامًا خاصًا بوصفها ممتلكات تابعة للدولة أو لجهة وقفية.
وقد تسببت هذه التساؤلات في جدل بين المستأجرين من جهة، ووزارة الأوقاف من جهة أخرى، خاصة مع تزايد المطالب بتسوية الأوضاع القديمة وتعديل القيم الإيجارية لتتماشى مع الواقع العقاري والاقتصادي الحالي. في هذه المقالة نستعرض تفاصيل الموقف الرسمي، ونحلل الإطار القانوني لعقارات الأوقاف، ونوضح الفارق بينها وبين الملكيات الخاصة، ومدى تطبيق قانون الإيجار القديم عليها من عدمه.

الأوقاف والعقارات المؤجرة.. تاريخ طويل
تُعد وزارة الأوقاف من أكبر الجهات المالكة للعقارات في مصر، حيث تمتلك آلاف الوحدات السكنية والتجارية، في مختلف المحافظات، بعضها يعود إلى عقود طويلة مضت. وقد تم تأجير عدد كبير من هذه العقارات بنظام الإيجار القديم، وهو ما خلق علاقة إيجارية طويلة الأمد مع مستأجرين يقطنون فيها منذ عشرات السنين.
وبسبب طبيعة الوقف بوصفه مالًا محبوسًا لا يُباع ولا يُوهب، كانت العلاقة بين وزارة الأوقاف والمستأجرين تخضع لخصوصية قانونية مختلفة عن غيرها من العلاقات الإيجارية العادية. وهذا ما يجعل الجدل القانوني حول هذا الملف معقدًا ومتعدد الأبعاد.
هل تنطبق قوانين الإيجار القديمة على عمارات الأوقاف؟
وفق تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، فإن العقارات التابعة للوزارة تخضع بالفعل لقانون الإيجار القديم شأنها شأن العقارات الأخرى المملوكة للأفراد، ولكن مع فارق مهم: أن الوزارة تعمل بشكل مستمر على مراجعة العقود وتحسين العوائد الوقفية بما يتوافق مع المصلحة العامة.
وقد أشار المتحدث إلى أن الوزارة لا تسعى لطرد أي مستأجر من سكنه، لكنها تتحرك في إطار القانون لاسترداد حقوق الوقف وتنمية موارده، وهو ما يتطلب أحيانًا إعادة النظر في بعض العقود القديمة التي ظلت ثابتة لعقود طويلة دون تعديل في القيمة الإيجارية.
التفرقة بين الوقف الأهلي والوقف الخيري
في إطار الحديث عن الإيجارات القديمة وعمارات الأوقاف، من المهم التفرقة بين نوعين من الوقف:
-
الوقف الخيري: ويكون ريع العقار مخصصًا لصالح جهات أو أغراض خيرية محددة. وهنا تتولى وزارة الأوقاف إدارته.
-
الوقف الأهلي: ويكون ريع العقار مخصصًا لورثة الواقف أو ذريته، وتكون العلاقة الإيجارية أكثر تعقيدًا.
ويُطبَّق قانون الإيجار القديم في الحالتين، ولكن وزارة الأوقاف تحرص في حالة الوقف الخيري على زيادة العائد من أجل تمويل المشاريع الدعوية والخيرية، مما يدفعها للسعي نحو تحسين شروط العلاقة الإيجارية.
هل هناك توجه لإخلاء العقارات المؤجرة للأوقاف؟
أكدت وزارة الأوقاف مرارًا أنها لا تقوم بإخلاء أي عقار مأهول من المستأجرين، ولا تسعى إلى الإضرار بأي من المواطنين، ولكنها تعمل في إطار مراجعة شاملة لعقود الإيجارات القديمة، وتسوية الأوضاع بما يضمن:
-
الحفاظ على حق الوقف كمال عام.
-
تحقيق التوازن بين حق الساكن وحق الدولة أو الجهة الوقفية.
-
تسوية العقود التي تم إبرامها بقيم إيجارية زهيدة منذ عقود.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تصحيح المسار المالي والإداري للعقارات الوقفية، دون المساس بالأمن الاجتماعي للمستأجرين.
كيف تتعامل الأوقاف مع تأخر السداد أو الامتناع؟
من أبرز الإشكاليات التي تواجه وزارة الأوقاف حاليًا هي تأخر بعض المستأجرين في سداد الإيجارات المستحقة، أو الامتناع الكامل عن الدفع، مستندين إلى قدم العقود أو ضعف القيمة الإيجارية.
وقد أوضح مسؤولون بالوزارة أن الأوقاف تتبع آلية قانونية منظمة في التعامل مع هذه الحالات، تبدأ بإنذار رسمي، ثم التفاوض، وإذا لم تُحل المشكلة، يتم اللجوء للقضاء.
وتسعى الوزارة دائمًا لتسوية الأمور وديًا، خاصة مع كبار السن أو الأسر محدودة الدخل، وتتيح لهم جدولة المتأخرات، أو تعديل العقود بالتفاهم المتبادل.
موقف المستأجرين من قرارات الأوقاف
في المقابل، أبدى عدد من المستأجرين تخوفهم من مراجعة العقود أو التلويح بالإخلاء، مؤكدين أنهم يقطنون هذه الوحدات منذ عشرات السنين، وأن الظروف الاقتصادية لا تسمح لهم بتحمل زيادات كبيرة في الإيجارات.
ويطالب بعضهم الدولة بالتدخل لوضع آلية عادلة تراعي ظروف المستأجرين، وفي نفس الوقت تحقق عوائد مناسبة للوقف، دون أن يكون الحل هو الطرد أو الإخلاء القسري.
الأوقاف: نفتح باب التفاوض دائمًا
من جهتها، تؤكد وزارة الأوقاف أنها لا تتعامل بمنطق الصدام، بل تفتح باب التفاوض مع المستأجرين الذين يرغبون في تسوية أوضاعهم القانونية. ويشمل ذلك:
-
توقيع عقود جديدة بنظام الإيجار الحديث.
-
جدولة المديونيات.
-
تحويل بعض الحالات لنظام التمليك إذا توافرت الشروط.
وتعد هذه السياسة جزءًا من خطة الوزارة لتعظيم العائدات، وتحقيق الاستخدام الأمثل لأصول الوقف، دون الإضرار بالبعد الاجتماعي.
هل هناك نية لسن قانون خاص لعقارات الأوقاف؟
طرحت بعض الجهات التشريعية خلال السنوات الماضية مقترحات لتعديل العلاقة الإيجارية في عمارات الأوقاف تحديدًا، من خلال قوانين خاصة تراعي طبيعة الوقف، وتمنح الوزارة صلاحيات أوسع في التصرف بالعقارات بما يضمن استدامة الموارد.
إلا أن هذه المقترحات لم تُفعّل حتى الآن، وما زال الإطار القانوني العام هو قانون الإيجار القديم المعمول به حتى صدور أي تعديلات تشريعية جديدة.
الأوقاف تتجه إلى الاستثمار العقاري
في إطار خطتها لتعظيم العائدات، بدأت وزارة الأوقاف في التوسع في الاستثمار العقاري من خلال:
-
طرح وحدات جديدة بنظام الإيجار الحديث.
-
إنشاء مجمعات تجارية وسكنية على أراضي الوقف.
-
التعاون مع القطاع الخاص في مشروعات عقارية مشتركة.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره مسارًا استراتيجيًا لتقليل الاعتماد على الإيجارات القديمة، وتعويض الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
رؤية مستقبلية لحل أزمة الإيجار القديم في الأوقاف
تتجه الحكومة عمومًا ووزارة الأوقاف خصوصًا نحو حلول وسط تشمل:
-
تحفيز المستأجرين على التحول للإيجار الحديث.
-
فتح الباب للتمليك بشروط ميسرة لبعض الحالات.
-
تقنين العلاقة بين الطرفين عبر العقود القانونية الواضحة.
-
تعظيم العائد الاقتصادي من أصول الوقف غير المستغلة.
وقد أكد عدد من الخبراء القانونيين أن حل أزمة الإيجار القديم يتطلب تشريعًا شاملًا يعيد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ويراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي لكلا الطرفين.
في ظل الجدل القائم حول الإيجار القديم، تُعد عقارات وزارة الأوقاف نموذجًا خاصًا نظرًا لطبيعتها القانونية والوقفية، وما تمثله من أصول قومية يجب الحفاظ عليها وتنميتها. ومع أن هذه العقارات تخضع في كثير من الأحيان لقانون الإيجار القديم، إلا أن الوزارة تتحرك بخطوات متدرجة نحو تحسين العائد من هذه الممتلكات.
ويبدو أن الحل الأمثل لن يكون بالإخلاء أو فرض زيادات كبيرة فجائية، بل عبر الحوار والتدرج، والتفاهم بين الأطراف المعنية، من أجل تحقيق المعادلة الصعبة: الحفاظ على الحقوق الوقفية، وعدم الإضرار بالمستأجرين.
