هل يحصل الضامن في القرض الربوي على نفس الذنب؟
الكاتب : Mohamed Abo Lila

هل يحصل الضامن في القرض الربوي على نفس الذنب؟

هل يحصل الضامن في القرض الربوي على نفس الذنب؟.. دار الإفتاء تجيب

في ظل انتشار التعاملات البنكية والمالية المعاصرة، تتكرر الأسئلة حول حكم الضمان في القروض التي يشوبها شبهة الربا، وهل الضامن يتحمل نفس الإثم الشرعي الواقع على المقترض؟ وهل مجرد التوقيع ككفيل أو ضامن في عقد يحتوي على فائدة ربوية يضع الإنسان في موضع محرم؟ هذا التساؤل يُطرح بكثرة بين عامة الناس، خاصة من يضطرون لكفالة أقاربهم أو أصدقائهم في معاملات مع البنوك.

دار الإفتاء المصرية تناولت هذه المسألة في أكثر من موضع، وبيّنت الحكم الشرعي تفصيليًا، مستندة إلى قواعد الشريعة وأقوال الفقهاء، وموضحة الفرق بين المقترض والضامن من حيث النية والتكليف الشرعي والنية في المعاملة. في هذا المقال نستعرض الرؤية الشرعية لهذه المسألة بتفصيل يساعد القارئ على فهم الموقف الشرعي بشكل واضح، بعيدًا عن التعميم أو التهوين، ووفق قواعد الفقه الإسلامي المعتمد.



تعريف القرض الربوي وأطرافه

القرض الربوي هو كل قرض يشترط فيه المقرض زيادة مالية عند ردّ المال بعد فترة زمنية، سواء تم الاتفاق على هذه الزيادة مسبقًا أو ترتب عليها ضمنيًا، وهو ما حرّمه الإسلام بشكل قاطع وواضح. قال الله تعالى في كتابه الكريم: "وأحل الله البيع وحرّم الربا"، كما وردت الأحاديث النبوية التي شددت على تجنب الربا وأطرافه.

أطراف القرض الربوي غالبًا ما يكونوا ثلاثة:

  • المقرض (البنك أو المؤسسة أو الشخص).

  • المقترض (من يحصل على المال ويوافق على سداد الزيادة).

  • الضامن أو الكفيل (من يوقّع لضمان سداد المقترض).

وهنا يثار التساؤل: هل الكفيل الذي لا ينتفع من القرض يتحمل نفس الإثم إذا كانت المعاملة ربوية؟


حكم الضامن في القرض الربوي شرعًا

أجابت دار الإفتاء المصرية أن الكفيل في القرض الربوي ليس طرفًا مباشرًا في العقد الربوي من حيث النفع المادي، ولكنه يدخل في دائرة الإثم إذا توفرت فيه نية الرضا أو التعاون على الحرام، لأن الشريعة فرّقت بين المعاون المكره والمعاون الراضي.

إذا كان الضامن يعلم أن العقد يحتوي على فوائد ربوية، ويوقّع عليه مختارًا، معتقدًا جواز ذلك أو متساهلًا في الحرام، فإنه يكون في حكم المُعين على الربا، ويقع في إثم التعاون على المعصية، وهو ما نهى عنه الله في قوله: "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

أما إذا كان مضطرًا للضمان، ويريد بذلك مجرد قضاء حاجة مسلم، ولا يتربح من ذلك، ويكره الوقوع في المعاملة الربوية، فهنا يكون الفعل مكروهًا أو معفوًا عنه عند بعض العلماء، ويكون الإثم أخف أو مرفوعًا بحسب النية.


الفرق بين الضامن والمباشر في المعاملة الربوية

دار الإفتاء ميّزت في أكثر من فتوى بين:

  • من يقترض بنفسه ويستفيد من المال ويتحمّل الفائدة، فذلك عليه الوزر كاملاً.

  • ومن يضمن أو يكفل فقط دون أن ينتفع، ولكن يوقّع على العقد المختلط بالربا.

فمن الناحية الشرعية، المقترض هو الطرف الذي يتحمل مسؤولية مباشرة لأنه المتعاقد الأصلي والمستفيد من المال، أما الضامن فدوره تابع، والإثم يكون على قدر الرضا والمشاركة الذهنية وليس فقط التوقيع.

فلو كان التوقيع على سبيل مجاملة دون علم بأن العقد ربوي، أو وقع تحت ضغط أو ضرورة، فالإثم لا يكون في ذات الضمان بل في النية التي ترافقه.


الضرورة وتقدير الحالة

تشدد دار الإفتاء على أن الضرورة تُقدَّر بقدرها. فإذا اضطر الإنسان لضمان قرض ربوي من باب تفريج كربة مسلم، ولم يكن له سبيل آخر، فإن الحكم الشرعي ينظر إلى حالته، ولا يُحمل فوق طاقته. ولكن يبقى الأصل أن المسلم لا يُسهم في معاملة محرمة إلا للضرورة القصوى، مع ضرورة السعي لإيجاد بدائل شرعية مثل البنوك الإسلامية أو الجمعيات الخيرية أو القروض الحسنة.

كما أن من يُضطر للضمان عليه أن يستغفر الله، ويُبدي كراهيته للربا، ويحث الطرف الآخر على السداد في أقرب وقت لتقليل مدة المعاملة الربوية.


آثار التوقيع كضامن في الدنيا والآخرة

من الناحية الدنيوية، توقيع الضامن يجعله مسؤولًا قانونيًا عن سداد القرض حال تقاعس المقترض، ما قد يترتب عليه أعباء مالية ضخمة.

أما من الناحية الدينية، فإذا وقّع الضامن عن رضا وقناعة بمعاملة ربوية، فإن ذلك يُعد ذنبًا مشتركًا، ويُخشى عليه من الدخول ضمن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء".

لكن دار الإفتاء أكدت أن اللعن في هذا الحديث خاص بمن يشارك في العقد وهو راضٍ وموافق ومساهم فعليّ، ولا يشمل المكره أو من وقع تحت ضغط نفسي أو اجتماعي.


كيف يتعامل المسلم مع هذه المسألة؟

  1. عدم التعجل في الضمان: قبل التوقيع على أي معاملة، ينبغي على المسلم أن يقرأ تفاصيلها، ويسأل أهل العلم إن وجد فيها شبهة.

  2. السعي لتقديم بدائل: نصيحة الضامن لصديقه أو قريبه أن يبحث عن مصادر تمويل لا تخالف الشريعة، كالتمويل الإسلامي.

  3. نية الإنكار الداخلي: إذا اضطر إلى الضمان، فليكن في قلبه إنكار للربا، وليدعو الله أن يبرئ ذمته من هذا العقد.

  4. الحرص على نصح المقترض: بتعجيل السداد أو تحويل القرض إلى جهة غير ربوية إذا أمكن.

المسلم مسؤول عن أفعاله وتوقيعه ونيته، ومن وقع على عقد ربوي كضامن دون إكراه ولا اضطرار، فهو مُعرض للذنب ما لم يتب إلى الله ويُظهر كراهية لذلك. أما من اضطُر للضمان بسبب إنساني أو اجتماعي، دون أن ينتفع من القرض، فعليه أن يستغفر الله ويسعى لعدم تكرار ذلك.

تبقى القاعدة العامة في الإسلام هي: "ومن يتق الله يجعل له مخرجًا"، فلا يُطلب من المسلم أن يتورط في الربا بأي صورة كانت، ولو كان الضامن مجرد اسم على الورق. فالحذر واجب، وسؤال أهل الفتوى ضرورة، والنية أساس الحساب عند الله عز وجل.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول