تجنُّب أذى الأقارب ليس من قطيعة الرحم لكن بشرط
الكاتب : Mohamed Abo Lila

تجنُّب أذى الأقارب ليس من قطيعة الرحم لكن بشرط

يسرى جبر: تجنُّب أذى الأقارب ليس من قطيعة الرحم لكن بشرط


هل يُعد تجنّب الأقارب المؤذين قطيعة للرحم؟

في ظل العلاقات الاجتماعية المتشابكة، كثيرًا ما يواجه الإنسان مواقف صعبة مع بعض الأقارب قد تصل إلى الأذى النفسي أو الجسدي أو حتى الضرر المادي. وهنا يظهر تساؤل شائع: "هل تجنُّب الأقارب المؤذين يُعد من قطيعة الرحم؟" هذا السؤال أجاب عنه الشيخ الدكتور يسرى جبر، أحد علماء الأزهر الشريف، مؤكدًا أن تجنّب الأذى لا يُعد قطيعة، لكن بشروط واضحة.

رأي الشرع في التعامل مع الأقارب المؤذين

أوضح الشيخ يسرى جبر أن الإسلام يُعلي من قيمة صلة الرحم، ويحثّ على التواصل والإحسان إلى الأقارب. لكن في الوقت ذاته، لا يُلزم الإنسان بتحمُّل الأذى المستمر من أقاربه، خصوصًا إذا وصل الأمر إلى ضرر حقيقي في النفس أو الدين أو المال.

وقال: "الرحم لا تُقطع إلا عند الانقطاع الكلي بلا مبرر، أما إذا كان الشخص يتجنب لقاء أقاربه درءًا للأذى المتكرر، فهذا لا يُعد من القطيعة، بشرط ألا يَكنّ في قلبه حقدًا أو كراهية، وألا يردّ السيئة بمثلها، بل يكتفي بالدعاء لهم بالهداية."


متى يكون التجنّب جائزًا شرعًا؟

أشار الدكتور جبر إلى أن النية تلعب دورًا أساسيًا في الحكم، فإذا كان التجنّب لأسباب شخصية تافهة، كالحسد أو الكبر أو الغيرة، فهذا يُعد قطيعة مذمومة. أما إذا كان الإنسان يخشى الفتنة أو الأذى المستمر، فيجوز له الابتعاد عن طريقهم، مع الحفاظ على قدر من التواصل غير المباشر كالاتصال أو السلام أو السؤال من بعيد.


صور التواصل المباحة مع الأقارب دون تعرّض للأذى

أوضح الشيخ أنه يمكن للإنسان أن يحافظ على صلة الرحم بطرق لا تجلب له الضرر، ومنها:

  • إرسال الرسائل في المناسبات.

  • السؤال من خلال طرف ثالث.

  • الدعاء لهم بظهر الغيب.

  • الامتناع عن الخوض في خلافات قديمة.

  • الامتناع عن المجادلات والمواجهات المباشرة.

وأضاف: "ليس من الواجب أن تجلس مع من يؤذيك أو يهينك، ولكن الواجب أن تُنقِّي قلبك من الكره، وتبقي على حد أدنى من الصلة حسب الاستطاعة."


هل يجوز قطع العلاقة نهائيًا مع بعض الأقارب؟

يرى أهل العلم أن القطع النهائي للعلاقة مع أحد الأقارب لا يكون جائزًا إلا في حالات ضيقة جدًا، منها:

  • إذا كان القريب يشكل خطرًا حقيقيًا.

  • إذا كان يدعو للمنكر أو يفتن في الدين.

  • إذا كان يسبب ضررًا نفسيًا أو بدنيًا متكررًا.

ومع ذلك، يُفضل دائمًا البحث عن حلول وسط، مثل تقليل التواصل بدلًا من قطعه، أو نقل العلاقة من المباشرة إلى غير المباشرة، حتى لا يدخل المسلم في ذنب القطيعة الكاملة.


موقف الإسلام من صلة الرحم

صلة الرحم من أعظم القربات في الإسلام، وقد ورد في الحديث: "من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه".

لكن الإسلام دين واقعي لا يُحمّل الإنسان فوق طاقته، لذا راعى وجود خلافات وصراعات بشرية بين الأقارب، وأجاز بعض التخفيفات الشرعية للتعامل معها.


شروط تجنب الأقارب دون الوقوع في قطيعة

حدد الشيخ يسرى جبر شروطًا واضحة لجواز الابتعاد عن بعض الأقارب دون أن يُعد ذلك من القطيعة، ومنها:

  1. عدم تبييت نية القطيعة أو قطع المعروف عنهم عمدًا.

  2. ألا يكون التجنّب بدافع الغضب الشخصي أو الكبر.

  3. الحرص على التواصل الرمزي أو غير المباشر كلما أمكن.

  4. الدعاء لهم بالخير وعدم التحدث عنهم بسوء.

  5. أن يكون التجنب مؤقتًا لحين زوال سبب الأذى.

يؤكد الفقه الإسلامي أن صلة الرحم واجبة، لكن الإسلام لا يفرض على المسلم أن يظل على تواصل مباشر مع من يسيء إليه باستمرار. الرحم لا تعني التسامح الأعمى مع من يُلحِق الأذى، بل تعني حفظ الحد الأدنى من الصلة بما لا يُضر النفس والدين. والمهم أن تبقى النية صافية، ولا يُضمر الإنسان الكره أو الرغبة في القطيعة. بذلك، يكون المسلم قد امتثل لأوامر الله، وفي نفس الوقت حفظ كرامته وسلامه النفسي.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول