زكاة الوديعة واجبة.. ويجوز صرفها لحفيدة المطلقة
أمين الفتوى: زكاة الوديعة واجبة.. ويجوز صرفها لحفيدة المطلقة إذا كانت مستحقة
في ظل تساؤلات كثيرة تتعلق بأحكام الزكاة ومصارفها، جاء توضيح من أحد أمناء الفتوى بدار الإفتاء المصرية ليحسم جدلًا دائرًا حول زكاة الوديعة البنكية، وإمكانية صرفها لحفيدة مطلقة تعيش ظروفًا مادية صعبة. وقد جاء الرد واضحًا بأن الزكاة على الودائع واجبة شرعًا، وأن صرفها لحفيدة مطلقة ممكن إذا كانت من الفقراء أو المستحقين للزكاة، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أوسع لأحكام الزكاة ومراعاة البُعد الإنساني والاجتماعي في توزيعها.
هذا التوضيح يعكس مرونة الفقه الإسلامي في التعامل مع مستجدات الواقع، خاصة مع توسع المعاملات البنكية وزيادة عدد الأسر المتأثرة بالتفكك الأسري والانفصال، مثل حالات المطلقات وأبنائهن، وهو ما يجعلنا بحاجة إلى مزيد من الفقه الواعي والمتجدد.

ما هي زكاة الوديعة البنكية؟
الوديعة البنكية هي الأموال التي يضعها الإنسان في البنك بنية الادخار أو الاستثمار، وغالبًا ما يحصل صاحبها على عائد دوري شهري أو سنوي. وتُعد هذه الأموال من الأموال النامية التي تجب فيها الزكاة متى بلغت النصاب ومرّ عليها الحول.
ووفقًا للأحكام الشرعية، فإن زكاة الوديعة واجبة بنسبة 2.5% من إجمالي المال إذا توفرت فيه الشروط، ويتم إخراجها سنويًا، سواء كانت الوديعة جارية أو ثابتة، وسواء أكان لها عائد أم لا، طالما بلغت النصاب الشرعي، وهو ما يعادل 85 جرامًا من الذهب تقريبًا.
متى تجب زكاة الوديعة؟
زكاة الوديعة واجبة في الحالات التالية:
-
أن يبلغ المال الموضوع في البنك النصاب الشرعي.
-
أن يمر عليه حول هجري كامل.
-
أن يكون المال مملوكًا ملكًا تامًا لصاحبه.
فإذا توافرت هذه الشروط، وجب إخراج 2.5% من إجمالي المبلغ سنويًا كزكاة، سواء من أصل المال أو من أرباحه، أو منهما معًا، حسب رغبة المزكي وحجم العائد.
هل يجوز صرف الزكاة للأقارب؟
الأصل في الزكاة أن تُصرف للفقراء والمساكين والمستحقين من الأصناف الثمانية المذكورين في القرآن الكريم، لكن هناك استثناءات عندما يتعلق الأمر بالأقارب.
فالأقارب الذين لا تجب على الإنسان نفقتهم، وكانوا فقراء، يجوز إعطاؤهم من الزكاة، بل إن العلماء يعتبرون ذلك أولى من إعطائها للغرباء، لأنه يجمع بين أجر الزكاة وصلة الرحم.
أما إذا كان القريب ممن تجب على الإنسان نفقته شرعًا (كالولد، أو الأب، أو الأم)، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة، لأن الزكاة لا تُستخدم لسد نفقات واجبة على المزكي.
حفيدة المطلقة.. هل يجوز إعطاؤها من الزكاة؟
في هذا السياق، جاء سؤال مهم طرحته إحدى السيدات: "هل يجوز أن أخرج زكاة مالي لحفيدتي المطلقة التي تعول أبناءها وليس لها دخل ثابت؟"
وكان رد أمين الفتوى واضحًا بأن الحفيدة لا تجب نفقتها شرعًا على الجد أو الجدة، وبالتالي، إذا كانت فقيرة أو لا تجد ما يكفي حاجتها وحاجة أولادها، جاز للجد أو الجدة إعطاؤها من الزكاة، بل ويُثابون على ذلك ثوابين: ثواب الزكاة، وثواب صلة الرحم.
وقد أشار إلى أن المطلقة التي لا تحصل على نفقة كافية أو لا تجد سكنًا أو دخلًا ثابتًا تُعد من المستحقين للزكاة، خاصة إذا كانت تُعيل أطفالًا، وهو ما يُضيف عبئًا كبيرًا على عاتقها.
أهمية مراعاة الحالات الإنسانية في الزكاة
من أهم مقاصد الزكاة في الإسلام هو تخفيف المعاناة عن المحتاجين، وتحقيق التكافل الاجتماعي، ولذلك فإن توجيه الزكاة لأقارب في أمسّ الحاجة إليها يُعد من التصرفات الراجحة شرعًا وعقليًا.
وفي حالة مثل حالة الحفيدة المطلقة، فإنها تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية قاسية، ما يجعلها نموذجًا حيًا للمستحق الحقيقي للزكاة، لا سيما إن كانت تُعيل أبناءً بمفردها، وتُعاني من غياب الدعم المادي المنتظم.
هل تُحسب النفقة السابقة ضمن الزكاة؟
سؤال آخر يُطرح كثيرًا: هل يجوز اعتبار ما تم دفعه من مساعدات مادية للحفيدة قبل إخراج الزكاة كجزء من الزكاة الواجبة؟
والجواب أن الزكاة لا تصح إلا إذا نُويت زكاة عند إخراجها. وبالتالي، ما يتم دفعه من مال بنية الهبة أو النفقة أو المساعدة لا يُحسب زكاة لاحقًا. لا بد من وجود نية الزكاة عند الدفع، وإلا فلا تُجزئ.
لكن يمكن أن يتفق المزكي مع المستحق على إعطائه مبلغًا معينًا كزكاة مستقبلية عن سنة قادمة أو أكثر، بشرط أن يكون المال لا يزال في ملك المزكي ولم يُصرف بعد.
ما الفرق بين الهدية والزكاة؟
في التعامل مع الأقارب، قد يصعب أحيانًا على بعض الناس قول إن هذا المال زكاة، فيدفعونه على هيئة "هدية"، تجنبًا للإحراج. لكن شرعًا، الزكاة لا تُحتسب إلا إذا نُويت عند الدفع، ولو لم تُعلن للمستحق.
ويجوز أن يُعطى المال للفقير على أنه هدية أو مساعدة، بينما يكون في نية المزكي أنه زكاة، بشرط ألا يكون المستحق من الأشخاص الذين يتحرجون من قبول الزكاة، أو يشعرون بالإهانة منها.
النية هنا محلها القلب، ولا يُشترط التصريح بها للمستحق، ما دامت العلاقة واضحة والاحتياج قائم.
هل يُخرج الزكاة من أصل المال أم من العائد؟
من أكثر الأسئلة شيوعًا بين أصحاب الودائع هو: هل يجب أن أخرج الزكاة من أصل المال أم من أرباحه؟
الجواب أن الزكاة واجبة على كامل المبلغ، أصلًا وربحًا، بنسبة 2.5% سنويًا. ويجوز إخراجها من:
-
أصل المال.
-
أرباح المال.
-
مزيج بين الاثنين.
الأهم أن يُخرج المزكي النسبة الواجبة، ويجتهد في تحديد وقت ثابت كل عام لإخراج الزكاة، منعًا للنسيان أو التهاون، خاصة أن الزكاة فريضة لا تسقط بالتقادم أو الإهمال.
كيف يتم حساب زكاة الوديعة؟
لحساب زكاة الوديعة، يمكن اتباع الخطوات التالية:
-
تحديد إجمالي مبلغ الوديعة (الأصل + العوائد).
-
التأكد من أن المال بلغ النصاب (ما يعادل 85 جرامًا ذهبًا تقريبًا).
-
مرور سنة هجرية كاملة على هذا المبلغ.
-
إخراج 2.5% من الإجمالي.
مثال: إذا كانت الوديعة بقيمة 200 ألف جنيه، فتكون الزكاة 200,000 × 0.025 = 5,000 جنيه.
نصيحة شرعية لأصحاب الودائع
من المهم أن يُدرك صاحب الوديعة البنكية أن المال أمانة، وأن الزكاة ليست "خسارة" من رصيد الأموال، بل هي تطهير للمال، وزيادة في البركة، وتوسعة في الرزق. والقرآن الكريم أكد ذلك بقوله: "وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه".
كما أن تخصيص الزكاة للأقارب المحتاجين، مثل الأحفاد أو الأقارب المطلقين، يُعد صورة من صور صلة الرحم، ويحقق الأثر النفسي والاجتماعي الكبير في نفوس المستحقين.
حديث أمين الفتوى حول وجوب زكاة الوديعة، وجواز صرفها للحفيدة المطلقة إذا كانت محتاجة، يسلط الضوء على مرونة الإسلام ورحمته في معالجة قضايا الحياة المعاصرة، وعلى أهمية الفهم الواعي للشريعة الذي يوازن بين النص الشرعي والواقع المجتمعي.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، تبقى الزكاة ركيزة أساسية في دعم المحتاجين، خاصة من الأقارب الذين لا يجدون من يُعينهم، لتكون وسيلة رحمة وتكافل قبل أن تكون فريضة مالية.
