هل يشعر الأموات بما يدور حولهم؟..
الكاتب : Mohamed Abo Lila

هل يشعر الأموات بما يدور حولهم؟..

هل يشعر الأموات بما يدور حولهم؟.. يشعرون ويُعرض عليهم من أعمال ذويهم


لطالما شغلت الأسئلة المتعلقة بالموت وما بعده عقول البشر عبر العصور. ومن بين أكثر هذه الأسئلة إثارة للتأمل هو: هل يشعر الميت بما يدور حوله؟ وهل يعلم بأحوال أحبائه وأعمال ذويه؟
في الثقافة الإسلامية، يحتل هذا الموضوع مكانة خاصة، نظرًا لما ورد فيه من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، إلى جانب اجتهادات العلماء والفقهاء الذين خاضوا هذا المجال باحثين عن إجابات تطمئن القلوب وتوجه الأحياء في سلوكهم تجاه من غادروهم إلى الدار الآخرة.

في هذا المقال، نستعرض آراء العلماء المعتبرين، ونوضح ما ورد في الكتاب والسنة بشأن إدراك الأموات، واطلاعهم على بعض شؤون أهلهم، وهل تعرض عليهم أعمالهم، وهل ينتفعون بالدعاء والصدقة، وما الذي يجب علينا فعله تجاههم.



أولًا: شعور الأموات بمن حولهم.. هل هو ممكن؟

في البداية، لا بد أن نُقرر أمرًا هامًا، وهو أن الموت ليس فناءً تامًا، وإنما انتقال من دار إلى دار، من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ.
وقد جاءت نصوص عديدة تشير إلى أن الميت يسمع، ويحس، ويعلم، ويستبشر، ويحزن، ولكن في إطار ما يقدره الله له، ووفقًا لقوانين البرزخ التي تختلف عن قوانين الدنيا.

أدلة سماع الأموات في السنة النبوية:

  • حديث القليب: بعد معركة بدر، أمر النبي ﷺ بأن يُلقى قتلى المشركين في القليب (حفرة)، ثم وقف عليهم وخاطبهم بأسمائهم، قائلًا:
    «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا»، فقال له الصحابة:
    «يا رسول الله، أتخاطب قومًا قد جُيّفوا؟»، فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون».
    (رواه البخاري ومسلم)

هذا الحديث يعد من أقوى الأدلة على إدراك الميت وسماعه.


ثانيًا: هل يُعرض على الميت عمل أهله؟

نعم، وردت نصوص عن النبي ﷺ تدل على أن أعمال الأحياء تُعرض على الأموات من أقاربهم، فيُسرّون بها إن كانت طيبة، ويستاؤون إن كانت سيئة، كما في حديث النبي ﷺ:
«إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم من الموتى، فإن كانت خيرًا استبشروا بها، وإن كانت غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهدوهم كما هديتنا»
(رواه الطبراني بإسناد حسن)

ويقول الإمام ابن القيم في كتابه "الروح":
"وقد دلّت الآثار على أن الميت يعرف زيارة الحي له، ويعرف أحوال أهله وأصحابه".


ثالثًا: هل يشعر الميت بزيارة قبره؟

زيارة القبور سنة مؤكدة، وقد أمر بها النبي ﷺ بقوله:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم بالآخرة».
كما ورد أن الميت يأنس بزيارة من يحبهم، ويسعد بها، ويفرح إذا دُعي له واستُغفر له، بل إن بعض السلف كان يقول:
"الميت في قبره كالأسير، ينتظر دعوة صادقة ترفعه، أو صدقة تصله، أو استغفار يبلغه".


رابعًا: هل يعرف الميت من يدعو له؟

ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
"ما من ميت يُدعى له إلا وقال: اللهم اجعل مثلها له يا رب العالمين"، وفي هذا إشارة إلى أن الميت يعلم ويعرف من يدعو له، ويشعر بذلك.

ويؤكد العلماء أن هذا ليس إدراكًا مطلقًا، بل هو إدراك يخصّ ما أذن الله له به فقط، مما يعني أن شعور الميت ليس مستمرًا بكل تفاصيل الدنيا، وإنما حسب ما يفتح له من علم وإدراك.


خامسًا: هل ينتفع الميت بعمل الحي؟

اتفق العلماء على أن الدعاء، والاستغفار، والصدقة، والحج، والعمرة، والوقف، والعلم النافع كل ذلك يصل إلى الميت ويثاب عليه، ويزيد من درجاته.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»
(رواه مسلم)

ويعد هذا الحديث من الأصول الكبرى في باب برّ الأموات واستمرار الأثر بعد الوفاة.


سادسًا: هل يرى الميت أهله في المنام؟ وهل هي رؤية صحيحة؟

الرؤى التي يرى فيها أحد أهله الميت قد تكون رؤى صادقة، خاصة إذا كانت توافق حال الميت من صلاح أو تقوى، أو جاء الميت فيها سعيدًا أو مبتسمًا أو راضيًا.

ولكن يجب التنبّه إلى أن الرؤى لا تُبنى عليها أحكام شرعية، كما لا ينبغي الجزم بأن ما يُرى هو الميت فعليًا إلا إذا توافق مضمون الرؤيا مع السنة، ووافق عليه أهل العلم.


سابعًا: حياة البرزخ ليست كالدنيا

الميت لا يعيش في قبره كما يعيش الإنسان في بيته، وإنما يعيش في عالم البرزخ، وهو عالم غيبي له قوانين مختلفة. وقد ورد أن الروح تنعم أو تُعذّب في القبر، بينما يبقى الجسد محل الفناء.

ويشير ابن القيم إلى أن الروح تتصل أحيانًا بالقبر، وتفارق أحيانًا، وتُعرض عليها أعمال ذويها، وتنتقل بين السماوات بحسب منزلتها.


ثامنًا: نصائح لمن أراد برّ الأموات

  1. الدعاء والاستغفار لهم يوميًا.

  2. الصدقة الجارية على نيتهم، مثل بناء مسجد أو حفر بئر.

  3. قراءة القرآن وإهداء الثواب (مع اختلاف بين العلماء في المسألة).

  4. زيارة القبور والدعاء لهم عندها.

  5. قضاء ديونهم أو أداء الحقوق التي كانت عليهم.

  6. الحفاظ على ما يحبونه من أعمال الخير، مثل صلة الرحم أو خدمة المحتاجين.


تاسعًا: ماذا نفعل عند فقدان عزيز؟

  • الصبر والاحتساب، والدعاء له.

  • الابتعاد عن البدع مثل النياحة أو اللطم أو إقامة المآتم المُبالغ فيها.

  • الإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن.

  • التحلي بالرضا والتسليم لحكمة الله عز وجل.


عاشرًا: العلماء الذين تناولوا هذه المسألة

تناول كبار العلماء هذا الموضوع، ومنهم:

  • ابن القيم في كتاب "الروح"

  • القرطبي في كتاب "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"

  • الإمام النووي في "شرح مسلم"

  • ابن تيمية الذي أكد أن سماع الميت ممكن في بعض الحالات

  • الشافعي وأحمد في فتاوى إهداء الثواب

الموت ليس نهاية، بل هو باب لحياة برزخية تسبق القيامة. والإنسان بعد موته يظل في دائرة العلاقة مع الأحياء، يتأثر بدعائهم، ويستبشر بحسن أعمالهم، ويشعر بمودتهم.
ولذلك، فإن مسؤوليتنا لا تنتهي عند الدفن، بل تستمر من خلال العمل الصالح والدعاء والوفاء. وفي ضوء ما ورد من نصوص شرعية، يمكننا أن نوقن أن الميت يشعر ويُعرض عليه من أعمال ذويه، فيفرح بها أو يحزن، ويظل ينتظر منا الخير، ويدعو لنا بالمغفرة والصلاح.

التعليقات

لا يوجد تعليقات

اترك تعليق

يجب تسجيل الدخول أولا. تسجيل الدخول